أخبار وطنية صفحات فارقة من الحركة الوطنيّة التونسية.. بقلم الاستاذ الجامعي فؤاد المؤخر
بقلم الاستاذ الجامعي فؤاد المؤخر
بعد الأحداث الدّامية التي شهدتها مدينة المكنين في أوائل شهر سبتمبر 1934 حيث أمر المقيم العام "مرسال بيروتون" Marcel Peyrouton، بإيقاف اطارات الحزب فجر يوم 3 سبتمبر 1934 (محمود الماطري: رئيس الحزب، محمّد بورقيبة: أمين ماله، الحبيب بورقيبة : الكاتب العام)، بقيت الأوضاع متأزّمة جِـدّا، ومُـنْـذرة بالتحرّك الميداني للقضيّة الوطنيّة التونسية، لا سيما بعد الهبّة العمليّة التي نادى بها مؤتمر مدينة قصر هلال في 2 مارس 1934. تحرّكت عدّة إضطرابات في مختلف مناطق الإيالة، حتّى كانت أحداث يومَي 8 و9 أفريل 1938 في مدينة تونس العاصمة للمطالبة ببرلمان تونسي.

شهد ذلك اليوم عديد الضّحايا، و إعتقالات مكثفة لزعماء الحزب. ثمّ تَـمَّ الإفراج عنهم. إستأنف النشاط الوطني في تونس بقوّة إثر الحرب الْـعالَـميّة الثَّـانِـيَـةْ فِـي ظِـلِّ أوضاع إقْـتِـصَـاديَّـة وَ إجتماعيّة صعْـبة جِـدّا وطنيّا و إقْـلِـيـمِـيًّا و دُوَلِـيّا.
في هاته الظُّروف، عقد الوطنيُّون مؤتمر "ليلة القدر" بالمدينة العَـتِـيـقَـة يوم 23 أوت 1946. ضمّ هذا المؤتمر مختلف التنظيمات السياسية و المهنيْة، و قد طالب لأوْل مرّة باستقلال تونس عن فرنسا.بعد سنة واحدة من هذا المؤتمرْ (يوم 20 أوت 1947) يصرّح الأمين العام للحزب الحر الدّستوري التونسي الجديد الأستاذ صالح بن يوسف بأنَّـه "بواسطة الضّغط الشّعبي و الدُّولي، سيتمُّ العمل على دفع الإدارة الإستعماريّة إلى قبول الحوار مع قيادة الحركة الوطنيّة."

يوم 8 سِـبْـتَـمْـبِـر 1949 يَـعُـود رئيس الحزب الحبيب بورقيبة من المشرق، وَيطَـالبُ مُـجَدّدا بالحكم الذّاتي، و بعث سلطة تَنفيذية تونسية، تكون مؤتَمَنَـةً على السِّـيادَة التونسية، و يكوّن مجموعة من المقاومين سمّيت بِـمجموعة السُّودْ الأحد عشر : LES 11 NOIRS بقيادته شخصيّا، و من أبرز أعضائها : علّاله العويتي، أحمد التّـليلي، حسن بن عبد العزيز، الشّاذلي قلّالة، العجيمي بن مبروك، بوبكِّـر باكير.
هذا الحكم الذّاتي المطلوب يكون عبر تشكيل حكومة 100% تونسيّة، تُـصْـبِـح هي المسؤولة عن الأمن العام. هاته الحكومة، يَـرْأسُـها وزيرًا أكْـبَـر تونسي. إلى جانب ذلك، يَـتِـمُّ بالإقتراع العام، إنتخاب مجلس وطَـني، تَـكُـونُ من أولى مهامه إعداد دستور ديـمُـقْـراطي للـبلاد يَـرسـم العَـلاقَـة بَـيـن تُـونـس وفـرنسا على أسَـاس إحْـتِـرام السِّيـادة التـونـسـيَّـة، وَ الأخْـذُ بِـعَــيْـنِ الإعْـتِـبَـار لِـمصالح فـرنـسا.
كلّ ذلك، بمَـفْـهُـوم حضاري، فِـيه احترام متَبادل من الطّرفين، و باعتبارها مرحلة تهدف إلى الوصول لتحقيق الإستقلال. هذا الطلب طَـرَحَـه الزعيم الحبيب بورڤيبة لاحقا يوم 14 أفريل 1950 بباريـس، وَعرف ببرنامج النّقاط السّبعة.
حذّر بورڤـيبة من خطورة المرحلة ودقّتها و قال في تصريحله: «إنّ زمجرة الغضب بدأت تصعد. و بلغ استياء التونسيّين حدّ السّـخط. وإن تَظواصل الرّفض الفرنسي لهذهالإصلاحات الضرورية والعاجلة، فإنّ ردّنا سيكون بشنّ أعمال شغب ».
كما سعى إلى تَـدْوِيـل الْـقَـضِـيَّـة التونسية بإلتماس الضّغط الأمريكي على السياسة الاستعمارية الفرنسية.
10 جوان 1950 : يَـوْمٌ جَــاء فِـيـه تَـصْرِيـح قَـد يَـكُـون صاحبه أراده عرضيًّا، لكنّه أعطى لزعماء الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد، نقطة إرتكاز هامّة. وزير الخارجيّة الفرنسي الأسبق السيّد :ROBERT SCHAUMANN
"روبار شومان"
بمناسبة حفل أقيم ببلدةTHIONVILLE
"تيون فيل" الواقعة بمقاطعة "لاموزال" الفرنسية لتنصيب السيّد " لوي باريَّاي"LOUIS PÉRILLIER كَـمٌقِيم عام جديد لفرنسا بتونس، يَـصِـفُ مَهام الْـمُـقِـيم العام الجديد بالعبارة الآتية :" سَـوف تكُـون مُهِـمّـتُـه المضيَّ بتونس نحو تَـطْـويرِ ثرواتها و الوصول بها إلى الإسْـتِـقْـلال، الذي هُـو الهدف النّهائى لكلّ الأقطار المنظوية تحت لواء الإتّحاد الفرنسي.…
"aura pour mission de conduire la Tunisie vers le plein épanouissement de ses richesses et l'amener vers l'indépendance, qui est l'objectif final pour tous les territoires au sein de L’UNION FRANÇAISE
لَـكِـنّ رئيس مجلس الرّئاسة "جورج بيدو" GEORGES BIDAULT يُـسَـارِعُ بِـتَـكْـذِيـب وزيـره للْخارجِيَّـة، و يُـلِـحُّ على الْـمقيم العام لِـفـرنسا بـِتُـونِـس أن يَــقْـرأ عَـلَـى أمْـواج راديُـو تونس نَـصًّا تصحيحيَّـا، تُـسْـتَـبْدَلُ فيه عبارة الإستِـقْـلال، بعِـبَـارَة الإدارة الدّاخليّة :L’AUTONOMIE INTERNE.
فِـي هَـاتِـه الأثْـنَـاء، الحزب الحر الدّستوري التّونسي الجديد يُـرَكُِّـزُ جهوده على توطيد التعبئة الداخلية الهادفة إلى تقوية الجبهة الوطَـنِـيَّـة المنادية بالإستقلال: و لعلّ من أهمّها بعث « لجْـنَـةِ الْـعَـمَـل من أجْـلِ الضَّـمَـانات الدُّسْـتُـوريَّـة والتَّـمثيل الشعبي» يوم 12 ماي 1951، وَ كذلك تكثيف إنْـشَـاء الهياكل الدُّسْـتُـوريَّـة كالْـشُّـعَـب و تَـطْـويـر و إعَـادة بَـعْـث الْـرّوح فِـي الجمعيّات المتواجدة خاصّة منها الشَّـبَابيّة.
نذكر على سبيل المثال :
*الكشافة التونسية (التي كانت قد تأسّست سنة 1932).
*الشبيبة الدستورية (التي كانت قد تأسّست سنة 1936) كما تفاعل مع هاته التّعْـبِـئَـة طَـلبة جامع الزَّيْـتُـونة، و تلامذة المعاهد. و قد كان للوسط المدرسي منذ بداية هاته التعبئة إلى مشارف الإستقلال مشاركة لا يستهان بها في هاته المقاومة.
لَـقَـدْ ساهمت هاته التّعبئة العامّة إلى حدٍّ كَـبِـيـرٍ وَ فَـعَّـال في تشتيت قوى الإحتلال وتخفيف الضغط على الفلّاقة : حالات هيجان رُفِـعَـتْ فيها شعارات معادية لفرنسا، مُندّدة بالإحتلال وَ مُـسَـانِـدَةً لِـلْـحِـزْب الْحُـرْ الْـدُّسْـتُـوري التُّـونـسـي الْـجَـدِيـد، إضْـرابَـاتٌ وَ إضـطِـرَابَـات في الْـمدارس، تَـخْـريـبٌ لِـمؤسّسات مَـدْرسِـيّـة، إجْـتِـمَـاعات داخل المدارس، و مَـسِـيرات خارجها …
إنجر عن ذلك إيقافات و محاكمات مَـدنِـيَّـة وَ عَـسْـكَـريّة لعديد الطلبة و التّلامـيـذ فِي شـتّى أنحاء البلاد : تونس العاصمة، سوسة، المنستير، صفاقس، باجة، ماطر، بنزرت…كما كان للمرأة أيضا حضورا نشيطا في هذا الحراك، ففي 15 جانفي 1952، خرجت أوّل مظاهرة نسائية بمدينة باجة. قادت المظاهرة السيدتان وسيلة بن عمّار ( التي تزوجت بعدها الرئيس الحبيب بورقيبة، و اختها نايلة (التي تزوجت بعدها السيّد توفيق الترجمان). لقد كانت جهة باجة بحكم ما تتمتع به خصوبة أراضيها معقلا للمعمُرين الفرنسيين.
ألهمت هاته الْـمظَـاهَـرة نِـسَـاءَ مَـنَـاطِـق أخْـرى عَـديـدة مِـثْـل نابل، سوسة، الْـمُـنستير، صفاقس.. فَـفِـي 15 فيفري 1952 نَـظَّم النِّـسَـاءُ بالعاصمة، مظاهرة أمام مَـقَـرّ الإقَـامَـة الْـعَـامّة، رمَـوّا فِـيها 4 قذائف في إتجاه قوات الجندرمة الفرنسية التي ردّت بإطلاق الرّصاص على المتظاهرات.
كَـمَـا قَـامت خلال أحداث نِّـسَـائيّة أخـرى بِـعَـدِيـد الإيـقَـافَـات و الإبعَـادَات الجَـمَاعِـيّـة. كان ذلك بالخصوص في معتقلات رمادة، تطاوين، زعرور (قرب بنزرت) جلّال(قرب بن قردان)…
لا يَـفُـوتُ أن نذكر هنا بسقوط بعض المجاهدات برصاص المستعمر، وَ كذلك إنتقال بعضهنّ الآخر إلى الرفيق الأعلى تحت التّعذيب على غرار المغفورات لهنّ : مجيدة بوليلة، و أمينة بن صالح.

في صُـلْـبِ هَـذا الإطَـار، كان الطَّـلَـبة الدستورِيُّون التُّونسيّون المتواجدون آنذاك بالخصوص في العاصمة الفرنسيَّـة باريس قد تَـشَـبَّـثُوا أَيَّـما تَـشَـبّث بتصريح وزير الخارجيّة، و تعمّدوا الإرتقاء به إلى مستوى إعلان مبدئي :UNE DÉCLARATION SOLENNELLE روّجوا لهذا التّصريح بِـقُـوّة فَـائـقَـة، على أنّه نضج جديد في سياسة فرنسا بِهدف تنقية الأوضاع بِـمستعمراتها.
وَ جعلوا مِـنه ترغيبا لفرنسا من أجل إيجاد حلٍّ للقضيّة التونسية. الجدير بالذكر، أنّ الحزب الحر الدستوري التُّونسي الجديد، كحزب متزعّم لمطلبيّة الإستقلال، وَ مُـتَـشَبّث بها، قد شارك في الحكومة التونسيّة الْـمُكَـلَّـفة بالتفاوض مع السّلطة الفرنسية للتوصّل لهاذا الإستقلال.
عُرفت هاته الحكومة، باسم حكومة المغفور له محمّد شْـنِـيـقْ. كان يمثل الدستوريين في هاته الحكومة المناضلين. المغفور لهما : صالح بن يوسف، و حمّادي بدرة.
لكِنّ الموقف الفرنسي، ظلّ متشبِّثا بالتّراجع و المماطلة. هذا ما رسمه رئيس مجلس الرّئاسة الفرنسي:GEORGE BIDAULT و إنقلبت جملة الأمل الشّهيرة التي كان قد أطلقها وزير الخارجيُة الفرنسي السيّد"روبار شومان" :
ROBERT SCHAUMANN و القائلة :
« Conduire la Tunisie vers le plein épanouissement de ses richesses et l’amener vers l’indépendance »
إلَـى الْـحَـديـث فَـقَـطْ عَـنْ نِـيَّـة فرنسا القِـيَـام بِإصْـلاحَـات …… لَـقَـدْ وَقَـعَـتْ الحكُـومَـةُ الفـرنْسيَّـة في تلك الفَـترة، تحت تأثير شريحة من الْـمناهـضيـن لِمبدأ تحرير المستعمرات.
نذكر منهم بالخصوص منظّمة "التّجمّع الفرنسي لتونس"LE RASSEMBLEMENT FRANÇAIS DE TUNISIE الـذي شَـنّ حَـمَـلات شَـعْـوَاءَ جِــدّا مِـن أجْـل عَـرْقَـلَـة و إبْطَالِ مفاوضات الإستقلال بمساندة من بعض المنظّمات وَ المجموعات البرلمانية الفرنسيَّـة، و جزء من قادة الإدارة الْـمَجْـمُـوعَات البََـرلَـمانِـيَّـة الفرنْـسِـيَّة و جزء من قادة الإدارة، و الجيش الفرنسيين.
في خضمّ ذلك، كانت الأوضاع جِـدُّ متأزمة. حيث شهدت البلاد قِـيَام العديد من عمليّات التظاهر والاحتجاج في عديد الجهات، نذكر منهم على سبيل المثال و ليس الحصر : بنزرت وماطر. ففي17 جانفي 1952 سقط في مدينة "فارّي فيل"FERRY-VILLE ( التي صار إسمها ؛ منزل بورقيبة اليوم) 3 شهداء و 50 جريحا. و في اليوم الموالي (18 جانفي) سقط بالعاصمة 5 شهداء إلى جانب عدد كبير من الجرحى. ثُـمّ فِـي 19 جانفي1952 يَـسْـقط 6 شُـهداء بمدينة ماطر و 3 شهداء بنابل إنضاف إليهم 8 شهداء في تونس العاصمة في اليوم الموالي (20 جانفي 52).
مَـوْجَـة كَـبيرة من المظاهرات والمشادات و الحوادث، أدّت إلى إعْـتِقال العديد من المحتجّين لا سِـيَـمَا العديد من قيادات الحزب الحر الدستوري التونسي الجَـديـد. أوضاع تَـبْـعَـثُ بِـنَـا الى التَّـسَـائل : هل كان تصريح السيّد :ROBERT SCHAUMANN يوم 10 جوان 1950، مجرّد مُسَـكِّن يهدف فقط لتهدئة المطالبين بالإستقلال؟؟؟…
مـا زاد الطين بلّة، إعلان الرفض الفرنسي للمطالب التونسية (التي قدمها الوزير الأكبر محمد شنيق) في شكل مذكرة حول سُـبُـل تحقيق الاسْـتِـقلال الداخلي إلى وزيـر خارجية فرنسا روبار شومان بتاريخ 31 أكتوبر 1951. تأكد الرفض الفرنسي في رد رسمي للحكومة الفرنسية بتاريخ 15 ديسمبر 1951.
أثار هذا الردّ السّـلْـبي ردود فِِـعْـل قويّة لَـيْس فَـقَـط في أوْسَـاط التونسيين المقاومين للإستعمار، لكن أيضا في بعض أوساط الْـمجْـتَـمع الفـرنسي لا سيما الإشتراكيين و اليسار، التي ركّز الطَّـلَـبة التُّـونسون بباريس آنذاك الإشتغال على إستمالتها.الزّعيم الحبيب بورڤيبة يصرِّحُ للصحافة الفرنسية :« لقد طُـوِيَـت اليوم صفحة من صفحات تونس وفُتحت أخرى …إنّ جَـوَابَ "شُـومَـان" قَـد فَـتَحَ عهدًا للـتَّـعَـسُّـف وَ المقاومة بما فيه من دموع وأحزان وَ ضغائن...».
كما أثار هذا الرَّدْ، ردّة فعل حازمة جِـدّا من الطَّـلبة التونسيين بباريس. و فعلا، فقد تَـوصَّلوا بمنشوراتهم و تحرُّكَـاتِـهِـمْ، و مواقفهم الجريئة إلى كَـسْـبِ العَـديـد مِـنَ الأصوات الفرنسـية المساندة للقضيّة التونسيّة. تَـفاعلت العديد من الشّخصِـيات الفـرنـسِيّة، في هذا الإتّجاه.
نذكُـر عَـلَى سَـبِـيـلِ الْـمثَـال تصرّيح السيّد "أندري بودي"ANDRÉ BIDET (مدير معهد بنزرت) الذي قال فيه: «إنّ ما يخدش كرامة التونسيّين أّنّهم ولأوّل مرّة يكتشفون أنّ سِـيَـادَتَـهُـمْ أصْـبَـحَـتْ مَـحَـلَّّ شَـكّْ، والأخْـطَـرُ مِـنْ ذلك أنّ قَـطْـع الْـمُـفَـاوَضَـاتْ حَـسبَ الْـمذكّرة، جاء نتيجة تسليط ضغوط من التَّـجَـمّْـع الفرنســي بتــــونس»(المذكورة آنفا).
أمّـــا السيّد «أندري فِـيـليــب»ANDRÉ PHILIPPE فقد صرّح قائلا: « إنّ التراجع في الوعود التي قدمتها فرنسا يمكن أن تكون له انعكاسات خطيرة جدا داخل البلاد وعلى المستوى الدولي». جَـاء هَـذا فِـي ظِـلِّ ظَـرفِـيَّـة تميزت باحتدام التأزم الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد. وَ كَـمَـا تَـعَـالَـتْ الأصْـوَات المساندة، فقد تفاقمت بالتّوازي ااحملات الشّرسة لمعارضي فِـكْـرة إستقلال المستعمرات…
يتراجع المقيم العام LOUIS PERILLIER عن الهدف المعلن الذي رُسِمَ له عند تعيينه مقيما عامّا لفرنسا بتونس حتّى أنَّه قال : « Il paraît temps d'accorder une pause à la politique » و تكرّرت إعْـتِـداءات الفرنـسِـييـن من عَـسكريين و مدنيين على التونسييـن. إعْـتداءات مختلفة الأشكال : إغْـتِـصاب، إهانات، إنتزاع للملكيّة...
في ظلّ هذا الوضع الْـمشحون، يعود الزعيم الحبيب بورڤيبة من باريس، و يكَـثِّـفُ إتِّـصالاتِـه بالْـقَـاعدة الشَّـعْـبية في كامل أنحاء الإيّالة : اجتماعات وخطب دعائية جماهيرية... في كلّ من المنستير (8 جانفي 1952) وتونس العاصمة (11 جانفي 1952) و بنزرت (13 جانفي 1952). حملة كبرى يشرح فيها الزَّعـيم الحبيب بورقيبة محتوى المذكّرة وَ سبب فشل الحوار مع فرنسا.
يبيِّـنُ الزَّعيم أيضا أنّ هذا الفشل يقودنا حتما إلى اللُّجُـوء إلى خِـيار آخـر لا مفَـرّ منه : الكِـفَـاح الْـمسَـلّح، و يهيِّـأ الشعب التونسي لهذا الخيار. قال في إحدى الخُطب : «إنّ الوقت قد حان لخوض المعركة الحاسمة».

في هاته الأثناء، كان الطلبة التونسيُّون في باريس، يلتقطون هاته الأخبار ليروّجونها مطالبين في ذات الوقت بعدم توخّي سِـيَـاسَـة السُّـكُـوت عن أصل الْـمشكِـل، و ضَـرورة إيجاد حَـلٍٍّّ سِـيَـاسي لَـه.
هَـؤلاء الْـطَّـلَـبَـة قَـدْ ركَّـزّوا عَـلى إسْـتِـغْـلال هاته الأحداث لفضح الممارسات الإستعماريّة حيث أبدعوا في ذلك. و في صلب هذا الإطار، تَـعْـقِـد الشّعبة الدستوريّة في باريس إجتماعا هامّا في مقرّها الكائن في :115 Boulevard Saint-Michel. Paris بحضور ثلّة من القياديين الدستوريين أذكر منهم بالخصوص المغفور لهم السّادة : الباهي الأدغم، الهادي نويرة و فرحات حشّاد …
في هذا الإجتماع، أعرب الطلبة بقوّة عن إحتجاجهم على التًّـلكئ الفرنسي المُـمَـنْـهَـج لتعطيل سير المفاوضات، وَ حتّى الحرص على إفشالها. بيّن الطّلبة بوضوح أنَّ وتيرة سير الْـمُـفَاوضات لا يَـتَـماشى مع وعود فرنسا، و لا مع حسن نوايا الشّعب التونسي و تطلّعه إلى صفحة جديدة نَـظِـيـفة و مسؤولة.
كان موقف الطلبة في هذا الإجتماع حازما و عمليّا، إتُّـخِـذَتْ فِـيـه عَـدِيـد الإجْـراءات الجَـديـدَة قَـصْـدَ "خضخضة" السّلْـطَـة الإسْـتِـعْـمَـاريّة الفرنْـسيَّـة و التَّـنديد بتراجع فرنسا.
و بتعليمات من الزَّعيم بورقيبة، إتّخذ الطّلبة قرارا، يقضي من الآن فصاعدا إتَّـخَـذَ الْـطّـلَـبَـةُ قَـرارا يَـقْـضِي بالعَـمَـل من الآن فَـصاعدا على مُـخَاطَـبَـةِ المجتمع الفرنسي مباشرة، و إبلاغه تنديد التونسيين بتراجع حكومته عن وعودها تجاه الشعب التونسي و تنكرها لحقوقه الْمشروعة.
بَـدَأ واضحا أنَّ بَـصِـيص الأمَـل الذي أطْـلَـقَـه وزير الخارجـيّـة الفرنسية ROBERT SCHAUMANN منذ العاشر من جوان 1950، قد قرّرت فرنسا التنكُر له. صار واضحا أنّ هَـاته الحُـكُـومَـة وقَـعَـتْ تَـحْـت ضغْـط كَـبِـيـر مِـن الجَـالِـيَـة الـفـرنْـسِـيّـة الْـمُـقِــيــمَـة بِـتُـونس خَـاصّة مِـنْـها المعمِّرون و اليمين الفرنسي.
فرنسا و منذ ردّها المؤرّخ في 15 ديسمبر 1952، كَـانت تأكُد باصرار، على نظريَّـة السّيادة المشتركة : La France affirme le principe de co-souveraineté du protectorat , et le caractère définitif du lien qui réunit la Tunisie à la France أمَـامَ إنْـعِـدام تَـحَـلْحُـل الوضع، يُـقَـرّر الزعيم الحبيب بورقيبة تَـنْـفِـيـذَ مَـا كان قَـدْ قَـالَـهُ في خِـطَـابِهِ بالْـمؤتمر الإسلامي في كراتشي (عاصمة باكستان) منذ 27 ماي سنة 1951.
« Si nous sommes contraints d'user du seul langage que la colonisation française comprenne — celui de la violence — nous ne reculerons pas. Nous sommes prêts à tous les sacrifices pour reconquérir notre indépendance. Et vous verrez en Afrique du Nord, si la France continue à faire la sourde oreille à nos revendications et à s'obstiner dans une injustifiable attitude, des massacres épouvantables »
الوضع لَـم يَـجِـدْ طريقا للإنفراج، بل إزداد تأزّما على الميدان، بإزدياد مراوغات السّلطة الإستعماريّة. و ممّـا زاد الطِّـيـن بلّة وُصُـول الْـمُـقِـيم العَـام الفـرنْـسي الجديد إلى تونس يوم 13 جانفي 1952 وهْـوَ :JEAN DE HAUTECLOQUE وصل هذا الرّجل إلى تونس على متن بارجة عسكريّة تابعة للـحربيّة الفرنسيّة تصحبها طائرات مقاتلة، ممّـا ينذر أنّ الرّجل له نيّة إستعراض عضلاته منذ البداية.
و فعلا، بعد أيّام ثلاث فقط من وصوله، عمد هذا الرّجل يوم 16 جانفي 1952، إلى إصْـدار مَـرْسُـوم يُـحَجّر فِـيه كُُــلّ الاجْـتِـمَـاعَـات الْـعَـامَّـة والتظاهر. و يَـمْـنَـعُ الحزب الحرّ الدُّسْـتُـوري الجَـديد من عقد مؤتمره الرابع. إتَّـسَــمَت سياسة DE HAUTECLOQUE بالشدّة و القسوة و العدائية تجاه التونسيين. يمكن تلخيص سياسته بقولته الشّهيرة التي قالها لرئيس الجمهوريّة :VINCENT AURIOL« Jusqu’ici, nous avons bandé mou, maintenant il nous faut bander dur »
يَـتـَحوّل الزعِـيم الحَـبِـيب بورقـيـبة إلى مدينة بِـنْـزرت حَـيْـثُ يُـلْـقِي فيها يَـوم 18 جانفي 1952 خطابا تاريخيّا يعْـلِـن فيه حتميّة الكفاح المسلّح.
يتبع...